بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 نوفمبر 2016

قصة سكة حديد الحجاز



قبل أكثر من 100 عام فكر السلطان عبدالحميد بتحديث وسائل المواصلات والاتصالات في الدولة العثمانية، وبعد أن قام بربط عدد من ولايات الدولة بشبكة من الخطوط البرقية وخطوط السكة الحديد، توج هذه الجهود بتنفيذ سكة حديد الحجاز التي ربطت دمشق بالمدينة المنورة.


وفي 22 آب أغسطس 1908م وصل أول قطار إلى المدينة المنورة حيث كان الهدف الرئيس لإنشاء سكة حديد الحجاز هو خدمة حجاج بيت الله الحرام وتوفير وسيلة نقل حديثة تقلهم إلى الأراضي المقدسة، وتقوية الروابط بين المسلمين.

وبحسب الوثائق العثمانية استغرق تنفيذ مشروع السكة ثماني سنوات، حيث بدأ تنفيذ الجزء الأول (دمشق - درعا) في شهر سبتمبر 1900م، ووصل أول قطار إلى المدينة المنورة في 22 أغسطس 1908م، وقد عمل في بنائه مهندسون ألمان وأتراك، كما تم الاعتماد في العمالة على سكان المناطق التي يمر بها الخط.

وواجه تنفيذ الخط صعوبات كثيرة تتعلق بالتمويل وبمعارضة القوى الأوروبية في المنطقة له، وللتغلب على هذه الصعوبات عمل السلطان عبدالحميد على إضفاء الطابع الإسلامي العالمي على هذا المشروع، ودعا المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى الاكتتاب والتبرع لصالح سكة حديد الحجاز، ومنحت الدولة العثمانية الأوسمة والميداليات للمكتتبين من الأفراد والهيئات الإسلامية، وتدفقت التبرعات من الهند ومن شرق آسيا وسنغافورة، والمغرب وإيران ومن داخل الدولة العثمانية.

وكان مخططاً لمشروع سكة حديد الحجاز أن يمتد عبر الأراضي الحجازية ويصل المدينة المنورة ومكة المكرمة، ثم يستمر مع ساحل البحر الأحمر إلى اليمن، ولكن الأحداث التي تلت وصول الخط إلى المدينة المنورة حالت دون تنفيذ كامل مخططات السلطان عبدالحميد.

أقسام الخط من دمشق إلى المدينة المنورة


يبلغ طول الخط من دمشق إلى المدينة المنورة 1302 كم وجعل عرضه 105 سم فقط، وقسمت عملية تنفيذه إلى خمسة أقسام: الأول من دمشق إلى درعا 123 كم، والثاني من درعا إلى عمان 99 كم، والثالث من عمان إلى معان 237 كم، والرابع من معان إلى تبوك 233 كم، والخامس من تبوك إلى المدينة المنورة 610 كم، ويتكون من قطاعين: قطاع تبوك- العلا 288 كم، والعلا - المدينة المنورة 322 كم.

كما واجه تنفيذ السكة بين تبوك والمدينة المنورة بعض الصعوبات بسبب وجود تضاريس صعبة نسبياً، مما استلزم إقامة العديد من الجسور على الأودية التي تعبرها السكة، وبلغت أطوال بعضها 60 متراً، وفي الأخضر نفذ نفق طويل تحت جزء من عقبة الأخضر، وعلى وادي الأخضر بني جسر طوله 143 متراً، وهو أطول جسر للسكة في الأراضي السعودية، وفي منطقة المزحم أقيمت ردميات عالية لتخفيف حدة الانحدار الشديد لمسار السكة.
ويمر الخط الحديدي من وقت إلى آخر بسهولة واسعة، يسير معها لمسافات طويلة على ردمية ترتفع قليلاً عن مستوى الأرض، ويقطعها عدد محدود من الجسور الصغيرة والبرابيخ (عبارات المياه).


محطات الطريق

تم إنشاء 16 محطة على مسار السكة بين تبوك والعلا، و16 محطة أخرى على مسار السكة الممتد بين العلا والمدينة المنورة، وتختلف أحجام هذه المحطات من مكان إلى آخر.


الاحتفال بوصول الخط الحديدي إلى تبوك


تم الاحتفال بوصول الخط الحديدي إلى تبوك في الأول من سبتمبر 1906م بحضور لجنة رسمية قدمت من دمشق، كما حضر الاحتفال شيوخ القبائل والأعيان والتجار، حيث صلى الجميع صلاة الفجر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، في تبوك ثم اتجهوا إلى سرادق الاحتفال فألقيت بعض الخطب ونحرت الذبائح ثم قرأ المندوب الخاص للسلطان برقية السلطان عبدالحميد بهذه المناسبة.

وبعد عام من افتتاح محطة تبوك أقيم في شهر سبتمبر 1907م احتفال بمناسبة وصول القطار إلى العلا، حيث ألقيت الخطب ونحرت الذبائح وقرئت برقية السلطان بهذه المناسبة.

وفي 22 آب أغسطس 1908م وصل أول قطار إلى المدينة المنورة، ولكن الاحتفال الرسمي أرجئ إلى الأول من كانون أول (ديسمبر) ليتوافق مع عيد الجلوس السلطاني على العرش، حيث أقيم احتفال كبير بهاتين المناسبتين، وأنيرت محطة المدينة المنورة بالكهرباء التي دخلت لأول مرة إليها.

تدمير السكة


لم يكتب لسكة حديد الحجاز الاستمرار طويلاً في تقديم ثمارها، إذ سرعان ما اندلعت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) فتأثر بها الخط، كما كان لثورة الشريف التي صاحبت تلك الحرب آثاراً مدمرة على سكة حديد الحجاز، فقد قام جيش الشريف وبدعم من الإنجليز بتدمير السكة في مواقع عدة بين عمان والمدينة المنورة، فخربت معظم الجسور والمعدات والمحطات وقد لعب الضابط الإنجليزي لورانس دوراً كبيراً في هذا التدمير.

محاولات إعادة تسيير الخط


بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بذلت من العرب محاولات عدة لإعادة تسيير الخط، وصل القطار على إثرها مرتين فقط إلى المدينة المنورة. إحداهما عام 1919م والأخرى عام 1925م ولم يكتب للمحاولات العربية النجاح بسبب نقص الإمكانات المادية والخبرة الفنية، وظل الجزء الحجازي من الخط معطلاً، في حين أمكن تسيير الخط السوري – الفلسطيني والأردني في الخدمة المحلية.

وسعى عدد من المسلمين إلى إثارة موضوع سكة حديد الحجاز وقاموا بحث الحكومات التي تكونت في المنطقة، والدول الاستعمارية التي بسطت نفوذها في الشام وشرق الأردن وفلسطين على إعادة تشغيل الخط، واستجابت السعودية لذلك، واشتركت في مؤتمر حيفا الذي عقد عام 1928م للنظر في هذا المشروع، وطالبت المملكة بإعادة سكة حديد الحجاز إلى ما كانت عليه، ولكن حكومات الانتداب البريطاني والفرنسي التي كانت تسيطر على أجزاء من هذا الخط رفضت هذه المطالب، وتوقفت المحادثات ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية فتوقف كل نشاط في هذا الموضوع.

وبعد الحرب العالمية الثانية عقدت اجتماعات متعددة بين الدول المعنية بهدف إعادة تسيير الخط بدأت منذ عام 1946م وتوالت بعد ذلك، وآخر هذه الاجتماعات كان في عام 1981م وكان للأحداث التي شهدتها المنطقة طيلة هذه السنين كاحتلال فلسطين 1948م ونكسة 1967م تأثير سلبي على الجهود المبذولة في هذا الشأن إذ حالت دون تنفيذ ما يتفق عليه على الطبيعة.


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق