بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 8 أكتوبر 2015

زمن الحب ، زمن الموت



زمن الحب ، زمن الموت

للقاص : أحمد منور

( قاص جزائري )






انتقلت أمل عدة مرات بين هذا الرصيف وذاك من شارع حسيبة، بحثا عن حذاء مناسب، وفكرت أن محلات بيع الأحذية في هذا الشارع محدودة العدد، ولو انتقلت إلى شارع مهيدي، أو ديدوش ، لكانت الفرصة أفضل للإختيار، وفي الوقت الذي همت فيه بالعودة على عقبيه لتتجه نحو شارع ديدوش لمحت على بعد ثلاثين مترا دكان أحذية، فقالت في نفسها : لا بأس أن ألقي نظرة على واجهة هذا الدكان قبل أن أرجع، ووقفت تتأمل الأحذية المعروضة في شيء من الفتور، إلى أن وقع نظرها على حذاء صيفي ، نصف كعب ، أبيض اللون ، فاستحوذ على اهتمامها، وراحت تتأمل دقائقه، وتمنعن النظر في صنعته، وتحاول أن تقرأ نوع الماركة التي يحملها، وأعجبت أيما إعجاب بزهرة اللوتس الصفراء الفاقعة التي كانت تتوسط أحزمته الجلدية الرقيقة، وتضفي عليه جمالا أخاذا.












وحدثت نفسها قائلة: يبدو أن هذا الحذاء هو بغيتي التي كنت أبحث عنها ، وكان الثمن آخر شيء يستوعبه ذهنها، وبدا لها أن ثمنه حتى وإن قارب الألف دينار فهو لا يزال في متناول قدرتها. 








دلفت إلى المحل ، وطلبت مقاس 39. وأحضرت البائعة الحذاء، وساعدتها على لبسه ، وعلقت وهي تبتسم لها : كأنه صنع خصيصا لرجلك، فشكرنها على المجاملة، وقامت من مكانها و خطت بعض الخطوات على الرضية المخملية للمحل ، وهي تتطلع إلى قديمها في المرآة الكبيرة الموضوعة على مستوى الأرضية، والمسندة إلى الجدار ، وبعد أن اطمأنت إلى جمال الحذاء في رجليها، طلبت من البائعة أن تحزمه لها، وتقدمت إلى الصندوق لتدفع الثمن، ولم تنس وهي تستلم الحذاء من البائعة أن تنفحها بإكرامية مناسبة... 






خرجت من المحل وهي تحمل الحذاء داخل كيس بلاستيكي جميل، واتجهت نحو ساحة أول ماي القريبة من هناك.










وأحست كأن عينين ترقبانها عن كثب ، فتبادر إلى ذهنها للوهلة الأولى أن يكون سارقا يتعقبها ليستولي على نقودها، وأرعبتها هذه الفكرة ، وهي تتصور أجرتها الشهرية التي قبضتها من ساعة تطير منها في لحظة زمن ، إذ كيف ستقضي بقية الشهر ، وكيف يكون حالها وحال أسرتها الكبيرة التي لا عائل لها إلاها بعد أن توفي والدها ؟؟.










وفي حركة غير لافتة للنظر تمكنت من أن تلمح الشاب الذي كان يتبعها عن كثب، واطمأن قلبها حين عرفت أنه أحد أبناء حيها الذي أحست أنه راح منذ مدة يبدي نحوها بعض الاهتمام، وكانت تعرف أنه من عائلة متواضعة مثلها، وأنه مازال طالبا في الجامعة، وتدل على ذلك تلك الكتب التي كان يحملها في يده كلما صادفته صباحا أو مساء في حافلة النقل العمومي، ولكنها لا تدري في أي اختصاص.










بالرغم من تبدد مخاوفها وشعورها بشيء من الارتياح، بل بشيء من الفخر، أن تكون محط اهتمام فتى مثل هذا الفتى المثقف، فإنها حدثت نفسها أنه لا يليق بشاب محترم مثله أن يلاحق ابنة جيرانهم في الشوارع بهذا الشكل، وإن كانت نيته خالصة حقا فعليه أن يدخل البيوت من أبوابها .










وأمام مدخل مستشفى مصطفى الجامعي وقفت في طابور طويل تنتظر مع المنتظرين، لعلها تظفر بتاكسي لينقلها إلى حيهم، لاسيما أنها أحست بالتعب والحرارة، والأهم من ذلك أن تنجو بأجرتها الشهرية من شر سراق حافلات النقل العام.










ولاحظت بعد هنيهة أن جارهم الطالب قد انتظم بدوره في صف المنتظرين، وخمنت أنه قد يكون في هذه المرة مصمما على أن يترك خجله ويخاطبها.


وفي أثناء انتظارها هذا رأيت في الجهة المقابلة من الساحة حافلة النقل العمومي التي تنقل الركاب إلى حيهم، فترددت هنيهة بين الاستمرار في صف المنتظرين للتاكسي والانتقال إلى محطة النقل العمومي، ثم حزمت أمرها وانطلقت فجأة نحو الحافلة، ناسية كل ما فكرت فيه منذ لحظات بشأنها .. 






عندما صعدت إلى الحافلة، وقفت أمام زجاج النافذة، لاحظت أن الفتى ابن الجيران قد لحق بها، وعندما التقت عيناهما ابتسم لها، ولم تستطع أن تمنع بدورها ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.






وانطلقت الحافلة، اهتزت أجزاؤها، أزت مفاصلها تحت ثقل حملها، كانت مكتظة كعادتها بالركاب، نساء عائدات إلى بيوتهن يحملن قفف المئونة من سوق الخضار، عجائز كن يبعن سقط المتاع بنفس السوق، شيوخ متقاعدون يتثاءبون من شد الملل، أطفال مدارس يحدثون صخبا وضجيجا، شبان يحلمون بالحصول على منصب شغل، عمال يفكرون في مصيرهم بعد أن أفلست مؤسستهم التي يعملون بها، وجوه ساهمة، أجساد متعبة، أعصاب منهكة ، قلوب مثقلة بالهموم..










راحت أمل تنظر عبر زجاج النافذة، غرقت بدورها في أحلامها الخاصة، راحت تفكر في الشاب الذي ابتسم لها منذ هنيهة، نسيت في لحظة أنها موظفة بسيطة في إحدى مؤسسات البلدية، نسيت أنها تعول أسرة كبيرة فقيرة، مكونة من أم ، وثمانية أخوات وإخوة، نسيت أنها لا تملك شيئا من متاع الدنيا يجعل الشبان المقبلين على الزواج يلتفتون إليها، نسيت كل ذلك، واستسلمت لأحلامها.






حين كانت الحافلة تصعد بصعوبة شارع غرمول، مخلفة وراءها ذيلا طويلا من الضجيج والدخان، كانت أمل قد استغرقت في عمق أحلامها، رأت نفسها بعين الخيال وهي تلبس الطرحة البيضاء، وتمسك بيد ذلك الشاب ابن الجيران الذي ابتسم لها، وتسير في مقدمة رتل طويل من السيارات ، ملأت الموسيقى أجواء المكان، حلقت في الفضاء، زمرت أبواق السيارات، شقت الزغاريد عنان السماء، خيل إليها أنها تسمع دوي البارود، دوي قوي ، دوي يصم الاذان، دوي ... دوي..... انفجار .... ثم لا شيء.. 






عندما فتحت أمل عينيها بالمستشفى رأت أمها وإخوتها يتحلقون حول سريرها، ينظرون إليها في صمت، عيونهم دامعة، وجوههم حزينة، نظرت إليهم في استفهام، لم تجد منهم استجابة، التفتت حولها، رأت عائلات أخرى تتحلق حول أسرة أخرى، والكل في وجوم، والكل في حزن، إلا همهمات قليلة، وأحاديث متقطعة.










وبصوت خفيض سألت أمل أمها: أين أنا ؟ أين نحن ؟ 










أجابتها أمها في صوت خفيض حزين: أنت في المستشفى يا ابنتي . 


سألت في اندهاش ولهفة: لماذا أنا في المستشفى؟ 


هل حدث لي شيء ؟ 










وعادت أمها تجيبها بنفس الصوت الخفيض الحزين: اهدئي يا ابنتي، لست الضحية الوحيدة في الانفجار الذي وقع. 










هناك من فقد حياته، ومنهم بعض من نعرفهم من سكان حينا.










راحت أمل تستعيد ذاكرتها شيئا فشيئا. 










قالت: تذكرت الآن، كان هناك رتل من السيارات، وكانت هناك موسيقى وزغاريد ، وبارود .. نعم ... كان هناك بارود، ثم انفجار .... ولا أتذكر شيئا آخر. 














لا ... تذكرت ، كان معي حذاء، حذاء أبيض جميل ، تتوسطه زهرة لوتس صفراء جميلة...










ماذا قلت ؟ قلت وقع انفجار ؟ قلت هناك من مات من حينا؟ 


وارتسمت في ذهنها فجأة صورة الشاب ابن الجيران الي ابتسم لها.... 










صرخت : لا..... لا........ ، لا يمكن أن يكون قد مات ، لا أستطيع تصور ذلك . 










وحاولت الأم أن تهدئها: اهدئي يا ابنتي ، لم يمت أحد من أهلنا ، ولا حتى من جيراننا الأقربين . 










قالت أمل: قلبي يقول لي إنه مات . 


وسألتها أمها دون تفكير: من هو هذا الذي مات ؟ 


وارتسم الخجل على وجهها، وحاولت أن تداري خجلها بتغيير الموضوع، فعادت تسأل بلهفة عن الحذاء. 










هل وجدتم حذائي الجميل ؟ هل وجدتموه ؟










وارتسم الوجوم على وجه الأم، وعندما ألحت عليها في السؤال، انفجرت باكية، وتجاوب مع بكائها بناتها وأبناؤها المتحلقون حولها. 










فاندهشت أمل لبكائهم، وقالت في ضيق: كل هذا من أجل الحذاء؟ ( ليضع، البحر عليه) .


سأشتري غيره عندما أخرج من المستشفى، وعوض أن ترى أمها وإخوتها يهدأون ازداد بكاؤهم، وعلا نحيبهم ، وسألت مرة أخرى في غيظ شديد: كل هذا من أجل حذاء ؟














واضطرت الأم أن تجيبها بعبارات باكية: لا يا ابنتي، إننا لا نبكي من أجل الحذاء، ولكن نبكي لأنك لم تعودي في حاجة إلى لبس حذاء .










وامتدت يد أمل في حركة آلية تتحسس موقع رجليها ، ثم صرخت صرخة اهتزت لها جنبات المستشفى، دخلت على إثرها في غيبوبة كاملة...














- النهاية -

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق